سيد محمد طنطاوي
215
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( تَقْشَعِرُّ مِنْه جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّه . . . ) * . استئناف مسوق لبيان آثار هذا القرآن الكريم في نفوس قارئيه وسامعيه بعد بيان أوصافه في ذاته . وقوله « تقشعر » من الاقشعرار ، وهو الانقباض الشديد للبدن . يقال : اقشعر جسد فلان ، إذا انقبض جلده واهتز . . . وهو هنا كناية عن الخوف الشديد من اللَّه - تعالى - . أي : أن هذا الكتاب العظيم عندما يقرؤه أو يسمعه المؤمنون الصادقون الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر . ثم تلين جلودهم وقلوبهم إذا ما قرؤا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة . قال الجمل : « فإن قلت : لم ذكرت الجلود وحدها أولا ثم قرنت القلوب بها ثانيا ؟ . قلت : ذكر الخشية التي تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب ، فكأنه قيل : تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم في أول الأمر ، فإذا ذكروا اللَّه - تعالى - وذكروا رحمته وسعتها ، استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم ، وبالقشعريرة لينا في جلودهم . . « 1 » . والخلاصة أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، أنهم يجمعون عند قراءتهم أو سماعهم للقرآن الكريم بين الخوف والرجاء ، الخوف من عذاب اللَّه - تعالى - والرجاء في رحمته ومغفرته ، إذ أن اقشعرار الجلود كناية عن الخوف الشديد ، ولين الجلود والقلوب كناية عن السرور والارتياح ، وعدى الفعل « تلين » بإلى لتضمينه معنى تسكن وتطمئن . ومفعول « ذكر اللَّه » محذوف للعلم به ، أي : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللَّه رحمته وثوابه وجنته . قال ابن كثير ما ملخصه : هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه : أحدها : أن سماع هؤلاء تلاوة الآيات ، وسماع أولئك نغمات الأبيات . الثاني : أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم ، ولم يكونوا - كغيرهم - متشاغلين لاهين عنها . الثالث : أنهم يلزمون الأدب عند سماعها . . . ولم يكونوا يتصارخون ويتكلفون ما ليس فيهم .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 598 .